إعداد: كمال العروسي، أنثروبولوجي، معهد المناطق القاحلة بمدنين، تونس.
تمثل القصور، باعتبارها مخلفات الأزمنة الترحالية لسكان الجنوب الشرقي التونسي، أحد الإنشاءات القليلة المبنية بالحجر والتي تشهد على ذكاء سكان المنطقة ومهاراتهم. فبالرغم من تفضيل الرحل لسكن الخيام، الأكثر ملاءمة لنمط إنتاجهم القائم على الرعي والاشتراك في المراعي، إلا أنهم اختاروا بناء القصور في وسط ممتلكاتهم الخاصة. يتكون القصر من سلسلة من "الغرف"، وكانت وظيفته الأساسية هي تخزين المحاصيل. كما نجد فيه مساحات مخصصة للحرفيين المحليين مثل الحدادين (لصناعة وصيانة الأدوات الزراعية الحديدية، الأسلحة، الأقفال، وحدوات الخيول). ونجد أيضاً النجارين (لصناعة وصيانة الأدوات الزراعية وأواني المطبخ وحاويات معاصر الزيت التقليدية من خشب الزيتون والأبواب من خشب النخيل، إلخ). وفي بعض القصور نجد أيضاً النساجين المهتمين بنسج الوزرة، البرنس، وغيرها من الأغطية الصوفية).
البعد العقاري والرمزي للقصر
من الوظائف الأقل شهرة للقصر الدور الذي يلعبه في التوزيع العقاري للأراضي الخاصة بالقبائل أو العائلات المالكة للبناء.
وفقاً لروايات الشيخ الإباضي أبي عباس النفوسي (القرن 18، 1162 هجري)، فإن تخصيص عدد الغرف لرب العائلة يتناسب مع مساحة الأرض الخاصة التي يمتلكها في محيط القصر. وهكذا، يتم تحديد محيط السور الخارجي للقصر وفقاً لعدد وحجم القطع الخاصة لكل فرد من أفراد القبيلة. عموماً، يُبنى القصر على مرتفع في أرض جماعية وسط القطع الخاصة التي تتطور انطلاقاً من القصر بشكل متسع نحو الأسفل. وعادة ما تُخصص هذه الأراضي للزراعة وغرس الأشجار في "جسور" متدرجة، مهيأة للاحتفاظ بمياه الأمطار من خلال نظام تصريف وتفريغ بارع. وبذلك، أدى القصر وظيفة مزدوجة كنظام لتحديد الحدود الإقليمية بين القبائل وكدفتر عقاري خاص بأعضاء قبيلة أو أكثر يشتركون في ملكية القصر.
باختصار، لحجم القصر دلالة مزدوجة: عقارية من جهة ورمزية من جهة أخرى، تعكس مدى قوة القبيلة وشهرتها بين جيرانها.
حالياً، يخضع التراث القصوري بالجنوب الشرقي التونسي لإجراءات التسجيل في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
تتركز القصور، ومفردها قصر، أو "إغرم" (بالبربرية) بشكل أساسي في الجنوب الشرقي للبلاد، بين مطماطة وتطاوين. ويبلغ عددها حوالي 150 قصراً. وهي جزء من التراث الثقافي لهذه المنطقة وتثير دائماً اهتماماً سياحياً كبيراً.
كانت القصور تُستخدم كمخازن للحبوب، تستخدمها الشعوب البربرية بشكل عام لتخزين موادهم الغذائية الأساسية وكبيوت للسكن.
قصور القلاع
قصور القلاع لها بوضوح هدف دفاعي. ومن الصعب الوصول إليها أو التعرف عليها من بعيد لأنها تقع فوق مرتفعات تندمج فيها بسبب هيكلها ولونها.
قصور الجبال و قصور التلال
تظل الصفة الدفاعية لقصور الجبال قائمة، لكنها تقع في مواقع يسهل الوصول إليها، "حيث تشرف على منخفضات خصيبة وسهول" وذات "صبغة زراعية أساساً". وهي لا ترتبط بقرى وتستخدم غالباً كمخازن "للقبائل العربية التي كانت تستخدم سابقاً قصور حلفائها البربر"، مثل قصر أولاد سلطان.
قصور السهول
قصور السهول هي الأحدث وتتوافق مع رغبة الحماية الفرنسية ثم الحكومة التونسية في تطوير مراكز حضرية. وبتحررها من القيود التضاريسية، تحتل مساحة أوسع. وهي مجرد مخازن بسيطة لا تتجاوز طابقاً واحداً وعادة لا تحتوي على أبواب بل مجرد ممر للوصول. ومع ذلك، أصبحت بعض قصور السهول مدناً حقيقية مثل مدنين أو جرجيس.
قائمة المراجع
كمال العروسي، القصر: مخلفات الأزمنة الترحالية. مجلة المناطق القاحلة، عدد 20 (عدد خاص)، جوان 2008، ص 47-97. (أشغال الورشة الدولية حول: تنوع التراث الثقافي والطبيعي في الجنوب الشرقي التونسي: إشكالية المحافظة/التثمين. نظمها المتحف البيئي للمناطق القاحلة. معهد المناطق القاحلة بمدنين، 13-14 جويلية 2004).
- كمال العروسي، مراد القوندي، محمد وعجا وجهاد دريدي، جولة سياحية جيولوجية في الجنوب الشرقي التونسي، الملتقى الوطني السادس للتراث الجيولوجي، إعداد الديوان الوطني للمناجم، تونس، ماي 2017، 40 ص.
- كمال العروسي، القصور بالجنوب الشرقي التونسي: بين التصنيف والتوظيف عبر العصور، مجلة الحياة الثقافية، عدد خاص: عالم القصور، تراث وتنمية، العدد 212، أفريل 2010.








